الجاحظ

395

الحيوان

وكذلك عروق الكلى إلى المثانة التي يجري فيها الحصى المتولّد في الكلية إذا قذفته تلك العروق إلى المثانة ، فإذا بال الإنسان انضمّت العروق واتّصلت بأماكنها ، والتحمت حتى كان موضعها كسائر ما جاوز تلك الأماكن . - ووجه آخر : وهو أنّ هذا الكلام عربيّ فصيح ؛ إذ كان الذي جاء به عربيّا فصيحا ، ولو لم يكن قرآنا من عند اللّه تبارك وتعالى ، ثمّ كان كلام الذي جاء به ، وكان ممّن يجهل اللّحن ولا يعرف مواضع الأسماء في لغته ، لكان هذا - خاصّة - ممّا لا يجهله . فلو أنّنا لم نجعل لمحمّد صلى اللّه عليه وسلم ، فضيلة في نبوّة ، ولا مزيّة في البيان والفصاحة ، لكنّا لا نجد بدّا من أن نعلم أنّه كواحد من الفصحاء . فهل يجوز عندكم أن يخطئ أحد منهم في مثل هذا في حديث ، أو وصف أو خطبة ، أو رسالة ، فيزعم أن كذا وكذا يمشي أو يسعى أو يطير ، وذلك الذي قال ليس من لغته ولا من لغة أهله ؟ ! فمعلوم عند هذا الجواب ، وعندما قبله ، أنّ تأويلكم هذا خطأ . وقال اللّه عزّ وجلّ : إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فاكِهُونَ [ 1 ] وأصحاب الجنّة لا يوصفون بالشّغل ، وإنما ذلك جواب لقول القائل : خبّرني عن أهل الجنّة ، بأيّ شيء يتشاغلون ؟ أم لهم فراغ أبدا ؟ فيقول المجيب : لا ، ما شغلهم إلّا في افتضاض الأبكار ، وأكل فواكه الجنّة ، وزيارة الإخوان على نجائب الياقوت ! وهذا على مثال جواب عامر بن عبد قيس ، حين قيل له وقد أقبل من جهة الحلبة ، وهو بالشام : من سبق ؟ قال : رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ! قيل : فمن صلّى ؟ قال : أبو بكر ! قال : إنّما أسألك عن الخيل ! قال : وأنا أجيبك عن الخير ! [ 2 ] وهو كقول المفسّر حين سئل عن قوله : لَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا [ 3 ] فقال : ليس فيها بكرة وعشيّ . وقد صدق القرآن ، وصدق المفسّر ، ولم يتناكرا ، ولم يتنافيا ؛ لأنّ القرآن ذهب إلى المقادير ، والمفسّر ذهب إلى الموجود ، من دوران ذلك مع غروب الشّمس وطلوعها .

--> [ 1 ] 55 / يس : 36 . [ 2 ] البيان 2 / 282 . [ 3 ] 62 / مريم : 19 .